المجلس الأعلى للتعليم رصد لبعض مكونات ورش الإصلاح

الجريدة التربوية الالكترونية


تعد البادرة التي اطلقها المجلس الأعلى للتعليم من خلال فتح باب التواصل والتفاعل بين مختلف الفاعلين والمتدخلين في الحقل ألتعليمي خطوة أولية ضرورية لإرساء مقاربة تشاركية مبنية على التواصل بين مكونات التربية والتكوين وتكمن الغاية منها الوقوف على التشخيص المناسب لمكامن الخلل واقتراحات الحلول والبدائل ,وآليات التنزيل والتتبع والتقويم والمحاسبة.

الأكيد ان المجلس يتوفر على تشخيصات مختلفة ومتباينة تمثل ارضية اولية حول تجليات ومظاهر تعثر برامج الإصلاح المختلفة ,من خلال ارقام وإحصائيات رسمية, ومن البديهي التحقق من واقعية مختلف المعطيات من استقراء بسيط لمعطيات الواقع ومعاينة لمختلف الوقائع التربوية التي تزخر بها منظومتنا التعليمية .

على ان المطلوب في هذه المرحلة لا يقف عند مجرد تشخيص اعطاب واختلال منظومة التربية والتكوين ,بل الأهم من كل ذالك بلورة استراتيجية بديلة , واضحة ومحددة من حيث السقف الزمني ,تؤسس لمشروع تربوي هادف ومسؤول ,تسطر من خلاله الأهداف التربوية وتحدد آليات الاشتغال والتطبيق , وتحدد لها التمويلات والموارد, والأشخاص او المؤسسات المنوط بها التنفيذ مركزيا وجهويا وإقليميا مع تحديد فترة الإنجاز ,مع التركيز على ربط المسؤولية بالمحاسبة كأسلوب جديد في التدبير .

اننا بكل بساطة نحتاج الى دفتر تحملات جديد ,وفق منظور أكثر واقعية وقابلية للتطبيق ,مع اعتماد حكامة فعلية تراهن على تغيير روح التدبير الذي كان سائدا , بروح جديدة سمتها الكفاءة الفعاليةة في التنفيذ المقترن بالمسؤولية من لذن ذوي الاختصاص .

من البديهي انها ليست بمهة سهلة ,ما انيط بالمجلس الأعلى للتعليم ,ومن الطبيعي ان يصادف العديد من الصعوبات في انكبابه على هذا الورش الضخم بكل مقاييسه ,ومكوناته وموارده ,وإشكالاته ,كما ان اية مبادرة قد تطرح ,لا بد ان تواجه بالرفض من طرف كل من اكتسب امتيازات افرزها واقع الممارسة وما كرسه من سلوكيات وممارسات لا تخدم التربية والتكوين بل تمثل نموذجا من الريع الدي طبع وميز بعض من تولى مسؤولية التدبير التربوي وتحمل مسؤولية الإشراف على مشاريع هيكلية عقب مختلف مراحل الإصلاح المختلفة التي عرفتها منظومة التربية والتكوين ,مما يطرح سؤالا مركزيا على المجلس الأعلى للتعليم

من اين ننطلق؟

هل ننحي جانبا التراكمات المتعاقبة والتجارب السابقة بشقيها الإيجابي والسلبي ,ونتبنى تشخيصا جديدا يعتمد معطيات الواقع الحالي, ام ندقق في مآل وحيثيات ما ثم انجازه من مشاريع ضمن البرنامج الإستعجالي 2009-2012 , لتحديد المسؤوليات ولعدم تكرار نفس الأخطاء والمخالفات المرتكبة؟

الواقعية في التدبير و منطق ربط المسؤولية بالمحاسبة – باعتبارها من المبادئ الأساسية لدستور 2011 – تقتضي اجراء افتحاص وتدقيق اداري ومالي ومادي وتربوي ,لتحديد مكامن الخلل والوقوف على الطرف المسؤول ,وتحديد طبيعة المسؤولية وآثارها ,



عناصر التشخيص:

لبلورة تشخيص جامع يهم مختلف مناحي منظومة التربية والتكوين ,وتلافيا لتشعب وتداخل المجالات والعناصر من الضروري اعتماد منهجية عمودية تركز على مداخل محورية تشكل في اعتقادنا مدخلا لتشخيص متكامل يضم كل المكونات والعناصر, كما يضبط التفاعل بينها ويبرر النتائج المرصودة على ارض الواقع. وهنا تبرز مكونات محورية تشكل في حالة تجميعها صورة معبرة عن واقع المنظومة ,ومدخلا لأي استراتيجية للإصلاح

اولا: البنية التحتية للعرض التربوي:

نعني بذالك مختلف المقومات التي تستوعب العرض التربوي من بنايات وتجهيزات ,ونظرا لما يكتسيه هذا الجانب من أهمية استراتيجية ,فقد شكل أحد اهم الأوراش التي انتهجتها الوزارة في تدبيرها لمختلف اوراش الإصلاح ,كما ثم رصد مبالغ مكلفة للرفع من الطاقة الاستيعابية و تحسين العرض التربوي كما وكيفا .

على ان استقراءا بسيطا لواقع الإنجاز ,وبالرغم من اسلوب التدبير المرتكز على مسطرة الصفقات العمومية ,فإن واقع البنية لا يوازي قيمة الموارد المرصودة ,كما جودة الإنجاز لم تحترم في مجملها ما ثم التعاقد بشأنه في الصفقات المبرمة فضلا على انه لم يثم تتبع مراحل الإنجاز بموازاة مسطرة الأداء.

مما افرز لنا بنية يمكن القول انها عرفت تغييرا وتحسنا نسبيا ,غلا انه يبقى دون مستوى الموارد والتطلعات ,ليبقى الخلل تدبيريا صرفا ,وتترتب عنه مسؤوليات تعددت مظاهرها من عقدية ,فتقصيرية الى المسؤولية الجنائية .

ازاء هذا المعطى ,تعين اتخاد تدابير ,لا يتعين ان تقف عند مجرد تجميد بعض المشاريع ,او فسخ تعاقدات تربوية وبيداغوجية ,الى فتح تحقيق اداري معمق لكشف مبررات وأسباب الخلل,واتخاد الإجر

ثانيا: الموارد البشرية: وسؤال تدبير الكم والكيف

تمثل الموارد البشرية احد اهم الركائز التي تقوم عليها منظومتنا التعليمية والتكوينية ,و من البديهي أن اي خلل او تراجع يطرأ على اداء او توظيف هذا العنصر, تكون له تداعيات مباشرة على جودة العرض التربوي بكل مقوماته.

ومن خلال تتبع وثيرة العنصر البشري للمنظومة بمختلف فئاته ,يتبين غياب استراتيجية واضحة تأخد بعين الاعتبار تكوين مختلف الموارد البشرية وتدرجها الوظيفي ,وتتبع أدائها ,وتدبير توزيعها

وأدائها ,وتعويض خصا صها,الشيء الذي افرز لنا ضعفا من حيث التكوين ,ونقصا عدديا وغياب الفعالية من حيث الأداء والمرد ودية ,’ولم تشفع لهدا الوضع برامج اعادة التكوين في تقويم مختلف الموارد ,وتجاوز نسب العجز في تغطية الخصاصة ,او الرفع من الأداء ,فكانت الحصيلة عجزا كميا وكيفيا أثر بشكل مباشر في مستوى المنظومة ومؤشراتها.

نواجه اليوم مشكلا هيكليا يتجلى في نقص في التكوين,وعجزا في تغطية نقص ألأطر ,وتراجعا من حيث الأداء والمر دودية ,مما يتطلب مقاربة مختلفة لهدا الجانب ,تراهن على تكوين دي جودة ,وتوزيع اكثر عقلانية ,وتتبع فاعل للصيرورة المهنية والإدارية .





تالثا:الموارد المالية : الموارد المالية لا تخلق جودة المنظومة :

لقد شكل مشكل التمويل في مختلف برامج الإصلاح -عدا البرنامج الإستعجالي 2009-2012- عائقا اساسيا في تنزيل وتنفيد مختلف المخططات والبرامج الا انه ومع توافر موارد استثنائية للبرنامج الإستعجالي ,لم نتمكن من احداث تغيير هيكلي كما ثم التطلع له من قبل واضعي البرنامح, مما يطرح سؤالا بديهيا حول مكمن الخلل ,هل هو عدم الملائمة بين ما ثم تصوره وتسطيره وبرمجته من أهداف مع واقع المنظومة , ام في اسلوب التنزيل والتطبيق والتدبير ؟

و من خلال تتبع اسلوب وكيفية تنزيل مختلف مشاريع البرنامج الإستعجالي ,والأشخاص الذين تحملوا مسؤولية الإدارة ,وكيفية تنفيد وتتبع الإنجاز على الأرض,اتضح وجود مظاهر عدة من القصور ,ونقص في الكفاءة لإدارة بعض المشاريع مثل تلك المتعلقة بالبناءات والترميمات والإصلاحات الخاصة بالمؤسسات , خاصة على المستويين الإقليمي والمحلي ,الشيء الدي حد من تأثير وفعالية العديد من المشاريع بل وساهم في تعثرها من حيث تحقيق الأهداف المسطرة والالتزامات المعقودة.

من ابرز الاستنتاجات التي سجلها واقع البرنامج الإستعجالي ,انه لا يكفي رصد موارد مالية ظخمة كميزانية للإصلاح لتحقيق الأهداف ,بقدر ما يتعين ارساء آلاية للتدبير المرتكز على الكفاءة وتحمل المسؤولية ,والقدرة على التنزيل الصحيح والتتبع الميداني حرصا على موارد الدولة وذالك لن يتأتى الا من خلال حكامةفي التدبير المالي, تجعل الجانب المالي في خدمة التربوي وليس العكس.

رابع : الهوية البيداغوجية المفتقدة

يعد الشق البيداغوجي التربوي حجر الزاوية في كل سياسة اصلاحية لأي منظومة تربوية ,ومخرجا أساسيا لمختلف التدابير والإجراءات ألمتخذة إلا ان الملاحظ ومن خلال مختلف مشاريع وأوراش الإصلاح ,ان منظومتنا التعليمية تفتقد الى أرضية بيداغوجية صلبة يقوم عليها العرض التربوي.

بل نجد ان مختلف المشاريع لام تستطع ان تؤسس لبناء متسق ومتناسق من الناحية البيداغوجية مما اسقطنا في دور التجريب و اجترار تجارب مقارنة قد ل تتسق او تستوعب خصوصيات محيطنا التربوي بل قد لا تجد التفاعل المناسب من لذن منزليها ومنفذيها ومتتبعيها من أطر ادارية وتربوية ,وأطر المراقبة التربوية ,وقد شكل عدم الانخراط او الانخراط النسبي لمختلف الأطر المعنية , عنصرا سلبيا لمسألة التأسيس ,مما شكل من الناحية الكلفة المالية عنصرا اضافيا للهذر الغير المبرر.

خامسا:لا اصلاح بدون مراقبة :ضرورة تفعيل أجهزة المراقبة وضمان استقلاليتها الوظيفية

تعد مختلف العناصر المشار اليها اقتضابا في ما سبق أساس كل مشروع اصلاحي ,يرنو الى تجاوز اخفاقات الماضي القريب ,من خلال بلورة استراتيجية واقعية ,وقابلة للتنفيد يعهد بها الى من توافرت له الكفاءة و القدرة على تحمل المسؤولية تخطيطا ,وبرمجة,و تدبيرا,وتتبعا ,وتقويما ,وذالك يهم مختلف المستويات مركزيا, وجهويا, و اقليميا ,و محليا بشكل لا يتعارض مع ارساء جهوية في تدبير الشأن التربوي ,الا انه يوفر في المقابل آلية للمراقبة والتتبع والتقويم , ليس فقط في شقها التقني المنوط بأطر المراقبة الخاصة بوزارة المالية ,فقط بواسطة آلية المراقبة الداخلية المستقلة المتمثلة مركزيا في المفتشية العامة للشؤون الإدارية والمالية وكذا للشؤون التربوية,وجهويا في مختلف أطر المراقبة سواء في مجال التخطيط او التوجيه ,او المراقبة الملية والمادية ,او اطر المراقبة التربوية ,بتنسيق تام مع المفتشية العامة للوزارة.

ان أي اصلاح لا يوازيه ارساء لآلية المراقبة والتتبع الميداني,مكفولة بضمان الاستقلال الوظيفي ,وبإعمال لمختلف الإجراءات التأديبية والزجرية عند تسجيل مخالفات ,او خروقا تستوجب اعمالها يبقى بذون اية فاعلية اونجاعة ,ويشكل البرنامج الإستعجالي السابق نموذجا حيا على ذالك.





يعد ما سبق مجرد تعبير عن تفاعل يندرج ضمن الردود العديدة والغيورة الصادرة على اثر الدعوة والمبادرة التي وجهها المجلس الأعلى للتعليم تكريسا للنهج التشاركي الذي انتهجه كأسلوب ونهج لتدبير ملف التعليم والتكوين ,ليس فقط باعتباره قطاعا خاصا ,بل ومن خلالرؤية مندمجة وشاملة قوامها كونه يشكل أحد مقومات التنمية وعناصرها الجوهرية والتي لا محيد عن اصلاحها وتقويمها, والنهوض بها ,سعيا الى تحقيق التنمية والتطور المنشودين ,ونتمنى للمجلس وكل المخرطين بمسؤولية في هذا الورش الكبير, بإشراف توجيه ملكي سام على الرفع من مستوى المنظومة والرقي بها الى مراتب احسن من خلال استراتيجية وطنية جامعة ومانعة ,وذات حصانة تسند من خلالها المسؤولية لذوي الكفاءة وتكرس من خلالها مبادئ دستور 2011 ومنها على الخصوص الشفافية والحكامة الجيدة ,والربط بين المسؤولية والمحاسبة.

د/ محسين أبري
استاذ باحث المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سطات

التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل